لا أحد يعلم تحديدا من ترجم النسخ اللاتينية الأولي للكتاب المقدس ولا أي جهة قامت بالترجمة لكن لا شك ان كنيسة روما ليس لها علاقة بالترجمات اللاتينية الأولي، فالكنيسة في روما كانت تستخدم اللغة اليونانية حتى منتصف القرن الثالث، بينما الترجمات اللاتينية ترجع إلي فترة مبكرة، والأغلب ان أصلها يرجع إلي شمال أفريقيا وما يقوي هذا الرأي اقتباسات العلامة ترتليانوس
وإذا كان للعقيدة دورا محتملا في إخراج جيروم لترجمة الفولجاتا فانه لا شك ان التناقضات العديدة بين الترجمات وخاصة اللاتينية، كان دافعا رئيسيا في رغبة البابا دماياوس في طبع نسخة جديدة كان ان النسخ اللاتينية كانت ركيكة إلي أقصي الدرجة وملتزمة بالترجمة الحرفية ويرجع سبب الركاكة إلي ان هذه النسخ لم تترجم من العبري وانما من النسخ اليونانية مما يجعلها ترجمة عن ترجمة ويفقد النصوص معناها،
القديس جيروم كان يوقر النسخة السبعينية ( Septuagint )في البداية وكذلك الأناجيل اليونانية، بينما كان يهاجم النسخ اللاتينية بشدة لكثرة التضارب بينها وبين النسخ اليونانية، ولم يتردد أن يشبه هذه النسخ اللاتينية بالوحل، ففي رسالة أرسلها إلي مرسيليا قال انه ليس جاهلا إلي درجة ان يتصور أنه هو من يصحح كلام السيد المسيح وأضاف قائلا" لكن النسخ اللاتينية ثبت خطئها لما تحتوي من تضاربات بكل نسخها " ( NPNF2-06 الرسالة رقم 50 ص 44 من الأعمال الرئسية للقديس جيروم )
وقال جيروم في المقدمة المهداة إلي البابا دماساوس قال " ان كنا نضع إيماننا علي النسخة اللاتينية فليقل لنا المعارضين علي أي نسخة نعتمد فان نصوصها المختلفة بعدد النسخ المتداولة " ( ص 488 )
لم يكن جيروم قد توصل بعد الي تحريف النسخ اليونانية ايضا لذلك يقول "لماذا لا نرجع الي النسخة اليونانية لتصحيح أخطاء المترجمين والتعديلات وكذلك الإضافات التي أضافها النساخ النعسانين ( المصدر السابق ) لكن ما لم يكن يدركه بعد القديس جيروم هي ان النسخ اليونانية ليست افضل من اللاتينية بكثير، الأمر الذي أدركه جيروم بعد الإنتهاء من ترجنة سفر أيوب، وكان العلامة أوريجانوس قد تحدث عن الإختلافات الجمة بين النسخ اليونانية، وفي رسالة إلي القديس يوليوس افريكانوس وصف أوريجانوس الإختلافات بالهائلة وقال
"وماذا أقول عن سفر الخروج حيث تجد التضارب في النصوص التي تتحدث عن خيمة الاجتماع ومحكمتها وكذلك ملابس الكهنة ورئيس الكهنة, هذه النصوص أحيانا لا يوجد تشابه بينهما حتى في مضمون معانيها "
بدا جيروم بمراجعة الأناجيل الأربعة عام 382 تقريبا في روما وانتهي منها بعد عام تقريبا، وفي ترجمته اسقط جيروم بعض النصوص الإضافية معتمدا علي النسخ اليونانية، وعير الألفاظ غير المهذبة كما غير الكلمات اللاتينية المحلية أي العبارات اللاتينية ذات الطابع الأفريقي إلي اللاتينية الأوروبية، لكن جيروم لم يسقط جميع إضافات المحرفين، إن النصوص القليلة التي أسقطها سببت له مشاكل لا حصر لها حتى إتهمه البعض بالتحريف، فماذا لو اسقط جميع الإضافات - يوضح القديس جيرم في مقدمته للأناجيل الأربعة الاسلوب الذي اتبعه ويذكر انه استعان بالمخطوطات اليونانية القديمة فقط وكي لا يبعد عما اعتاد عليه قراء اللإنجيل باللاتينية استعمل قلمه بحذر شديد فلم يبدل إلا ما لا بد من تبديله كالنصوص التي تعطي معنا مختلفا عن المعني الأصلي ( NPNFV2-06 p 489 )
القديس جيروم اتبع اسلوب مخالف للترجمات اللاتينية التي ترجمت ترجمة حرفية مما جعلها ركيكة الأسلوب، وقد عاني جيروم كثيرا من النقاد في عصره، فكتب رسالة خاصة يوضح فيها وجه نظره سماها أفضل سبل الترجمة وبين موقفه من الترجمة الحرفية وقال ان الترجمة الحرفية من لغة الي لغة تضيع المعني والترجمة بالمعني هو الأسلوب الأمثل واستشهد جيروم بعدد من المترجمين وقال ان أسلوبه هو أسلوب الرسل أيضا فالإنجيلي مرقس عندما ترجم عبارة ( طليثا قومي ) التي تعني يا صبية قومي، أضاف عليها جملة ليست في النص فقال ( يا صبية لك أقول قومي ) ولك أقول ليست من كلام يسوع ولكن القديس مرفس أضافها كي يعطي القارئ الإنطباع بأن السيد المسيح يتكلم كمن لديه القوة والسلطان ( NPNFV2-06 p 115 )
اختلف العلماء هل ترجم القديس جيروم جميع العهد الجديد أو فقط الأناجيل الأربعة
والذين يرون انه ترجم فقط الأناجيل يستندون إلي مقدمة جيروم للأناجيل الأربعة واكتفائه بالحديث عن الأناجيل وكذلك القديس أغسطينوس الذي ذكر ترجمة جيروم واستخدم كلمة الأناجيل، ولكن هذا لا يمنع ان يكون قد ترجم بقية العهد الجديد في فترة أخري، إذ انه بدأ في ترجمة العهد القديم بعد مغادرته لروما، كما ان جيروم نفسه ذكر في كتابه مشاهير الرجال ذكر انه ترجم العهد الجديد، ولكن الراي الذي يرجحه العلما انه لم يترجم رسائل بولس ورسائل الكاثوليكون وأعمال الرسل وسفر رؤيا يوحنا ويقول أصحاب هذا الرأي ان اسلوب الأناجيل الأربعة يختلف عن أسلوب بقية العهد الجديد في الفولجاتا فأسلوب رسائل بولس ورسائل الكاثوليكون ذو طابع نسخ اللاتينية القديمة ( انظر The Anchor Bible Dictionary Vol. 6, Page 800 )
بعد الانتهاء من العهد الجديد انتقل القديس جيروم إلي بيت لحم وبدأ في ترجمة المزامير ( ترجمها ثلاث مرات ) سفر أيوب - نشيد الأناشيد - الأمثال - سفر الحكمة - وأخيار الأيام من اليونانية مستعينا بنسخة أوريجانوس السداسية ( هيكسبالا ) التي جمعت ستة نسخ في ستة أعمدة مم العبرية والسبعينية، ترجمة سيماخوس ، ثيودوستن وأكيلا، وأشار القديس جيروم إلي النصوص التي تحتويها النسخة اليونانية ولا توجد في العبرية بعلامة نجمية بينما وضع علامة المسلة جنب النصوص التي اضافها العلامة أوريجانوس والمأخوذة من نسخة ثيودستن ( Theodotion) ( انظر رسالة جيروم رقم 75 إلي أغسطينوس NPNFV1-01 P341 ) -
- ويبدو ان بعد هذه الفترة بدأ جيروم يفقد الثقة في النسخة السبعينية التي كان يوقرها، لقد أشاد جيروم بالنسخة السبعينية وقد يبدو هذا غريبا - شخصية في مكانة القديس جيروم العلمية، نتوقع أنه لاحظ التحريف الذي أصاب الترجمة السبعينية، فكيف لم ينتبه جيروم لهذا الأمر؟
يبدو ان تزكية جيروم لنسخة السبعينية كانت تزكية المضطر فهو لم يكن ملما باليونانية إلمامه باللاتينية وبطبيعة الحال كان يعتمد علي النسخ اللاتينية فأدرك أخطائها، بينما النسخ اليونانية لم يكثر النظر اليها الا عند الحاجة
ولعل جهله بالعبرية جعله لا يري مدي الاختلاف بين النسخ العبرية واليونانية، فالقديس جيرم بدأ تعلم العبرية علي كبر، في أواخر السبعينات من القرن الرابع أيام الرهبنة في الصحراء السورية، ولم ينل معرفة كافية باللغة، ثم بدأ دراسة العبرية مرة أخري في بيت لحم علي يد الراباي بار عنينا الذي كان يعلمه في الخفاء خوفا من رد فعل اليهود
بالإضافة إلي عقبة اللغة، القديس جيروم وجد صعوبة في التشكيك في نسخة كان يحسب انها نالت تذكية تلاميذ يسوع، ومع ذلك يمكننا أن نستشف من أقوال جيرم أنه يكن مرتاحا للنسخة السبعينية قبل الشروع في الترجمة منها وإنما قبلها علي مضض، ففي مقدمته للأناجيل الأربعة يقول القديس جيرم عن النسخة السيعينية " أقبل أن أمرر صحة التي نالت قبول الرسل "
I am willing to let that be the true translation which had apostolic approval ( NPNFV2-06 P489 )
قرر القديس جيروم ان يترجم من النسخ العبرية، الأمر الذي أغضب العديد من معاصري جيروم الذين كانوا يرون ان مترجمي النسخة السبعينية ملهمون، أرسل القديس أغسطينوس الي جيرومماتبا يقول" من جهتي كنت أفضل لو قدمت لنا ترجمة من اليونانية المعروفة بأنها من عمل المترجمين السبعين، إذ ان لو انتشرت ترجماك في الكنائس فسوف يكون الأمر خطيرا لأنه سوف يحدث اختلاف في قراءة النصوص المقدس بين الكنائس اللاتينية واليونانية، أنه من سهل التعرف علي الخطأ في النسخ اللاتينية من خلال الرجوع الي اليونانية وهي لعة منتشرة ولكن اذا وجد أحد نص غير معتاد ومأخوذ من العبرية فمن الصعب الحصول علي نسخة عبرية إن لم يكن مستحيلا، واذا وجدنا نسخة عيرية فمن ذا الذي سوف يحكم وماذا اذا قال اليهود ان الترجمة خطأ مما يعني ان وجودك لا بد منه اذ انت الوحيد الذي يمكن ان يرد علي اليهود وإيجاد شخص قادر علي الحكم بينكم هو كحدوث معجزة
وتحدث اغسطينوس عن شغب حدث في احدي الكنائس بسبب نسخة فولجاتا لجيروم وقال ان أعضاء الكنيسة لاحظوا اختلاف في عبارات في ترجمة الفولجاتا في سفر يونان النبي وحكموا علي النسخة بالتحريف، ورغم ان احد اليهود حكم بصحة الترجمة الا ان الشعب لم يتوقف عن الشغب حتي اضظر الأسقف الي تبديل المعتي الصحيح الي آخر انظر رسالة أغسطينوس رقم 71 إلي جيروم ( NPNFV1-01 P328 آباء ما بعد نيقية ) )
وأنكر عليهم القديس جيروم وقال أن المترجمين السبعين لم يكونو انبياء وانما مجرد مترجمين، وترجموا بالتشاور ( آباء ما بعد نيقية،NPNFV2-03 P516 ) وأكد القديس جيروم علي ضرورة العودة الي النسخة العبرية وقال ان السبعين تعمدوا التحريف وكلما قابلهم نصا يشير الي الثالوث غيروا المعني أو اسقطوا النص كاملا ( المصدر السابق ص 515 )
وإذ تأكد جيرم من تحريف اليهود للنسخة السابعينية لم يكن أمامه سوي الإستعانة بالنسخة العبرية التي قال بتحريفها أيضا فيما بعد - وأعاد جيروم ترجمة المزامير من النسخة العبرية، ثم شرع في ترجمة ما تبقي لكنه لم يترجم جميع الكتاب على الأرجح، فلم يترجم من الأسفار القانونية الثانية سوي سفر يهوديت وسفر طوبيا، كما ان معظم ما ترجمه جيروم ضاع وهو لا يزال علي قيد الحياة ، وما تبقي جمع بعد رحيل جيروم وأضيف إليه من ترجمات أخري، وتم تعديله عشرات المرات وما نتج عنه هو ما يعرف ألان بالفولجاتا
ترجمة الفولجاتا قوبلت بالشكوك وأتهم جيرم بالتحريف وساءت علاقته بعدد من آباء الكنيسة، وظل طوال حياته يدافع عن نفسه وترك هذا التشكيك مرارة في حلق جيروم مبزت كتاباته، ولكن بعد رحيله إكتسبت نسخة الفولجاتا شهرة واسعة حتي صارت النسخة المعتمدة في مجمع ترينت ( Council of Trent (1546) بعد أن أضيف اليها بقية الاسفار القانونية الثانية التي لم يترجمها جيروم ( أنظر موسوعة النسخة القياسية مدخل BIBLE الطبعة المعدلة ) ولم تعرف الكنيسة الغربية غير نسخة الفولجاتا لقرون طويلة امتدت الي ما بعد ثورة الإصلاح ووضعت الكنيسة مقتني النسخ الأخري تحت اللعنة، وكانت الفولجاتا أول نسخة تطبع علي الورق عام 1455بعد اختراع آلة الطبع وأول نسخة تطبع في ألمانيا، فرنسا، أسبانيا وتشيك، وهي النسخة التي اعتمد عليها الإصلاحيون في الترجمة الي اللغات الأخري أمثال جون وايكليف
كتبه محمود أباشيخ
مقالات مشابهة
القديس جيروم يتهم اليهود بالتحريف