وقيل ان يهوذا كان ينتمي إلي فرقة كناي (קנאים ) أي الغيورون ، وتدعى هذه الفرقة سيخاري ( Sicarii ) وتعني العُنُفٌ أي المؤمنون بالعنف واستخدام القوةـ وكانت هذه الفرقة سياسية دينية تدعوا اليهود إلي التمرد ضد الحكم الروماني وإخراجهم من البلاد بقوة السلاح- ولقب يهوذا بالاسخريوطي لانتمائه إلي هذه الفرقة التي ذكرها يوسيفوس المؤرخ اليهودي واعتبرها الطائفة الرابعة من طوائف اليهود، غير انه لا يوجد اختلاف في العقيدة بينهم وبين الفريسيين، وإنما خلافهم سياسي بحث - لذا يري البعض ان بولس نفسه كان ينتمي إلي هذه الفرقة وكان أيضا فريسيا، وقال عن نفسه في ( وكنت غيورا للّه كما ) أعمال الرسل 22/3 ولكن بولس لم يذكر يهوذا ولا مرة في كل رسائله،مما قد يفهم منه ان قصة خيانة يهوذا لم تكن معروفة أثناء كتابة رسائل بولس، علما بان الأناجيل كتبت بعد الرسائل بفترة طويلة
يلاحظ أيضا ان الأناجيل الأزائية تقدم لنا معلومات أقل عن شخصية يهوذا، مقارنة بإنجيل يوحنا الذي كتب بعد حادثة خيانة يهوذا بأكثر من نصف قرن، فكنبتة الأناجيل الثلاثة التي كتبت قبل إنجيل يوحنا بفترة غير قصيرة، لا تعرف اسم والد يهوذا، بينما يذكر إنجيل يوحنا ان اسمه يهوذا سمعان الأسخريوطي ( 6/71 ) ويقدم يوحنا لنا معلومة أخري جديدة لم تذكرها الأناجيل الأخرى، ويخبر ان يهوذا كان مسئولا عن صندوق التبرعات
يتحدث إنجيل مرقس (14/4-5 ) عن قوم تضايقوا من إسراف المرأة التي سكبت طيب الناردين علي رأس يسوع، وقالوا : لماذا كان تلف الطيب هذا، لأنه كان يمكن ان يباع هذا بأكثر من ثلاث مئة دينار ويعطى للفقراء.وكانوا يؤنبونها.
ويصف إنجيل متى (26/8 ) نفس الحدث في بيت عنيا، لكن متى يخبرنا ان الذين اغتاظوا هم تلاميذ يسوع جميعا " فلما رأى تلاميذه ذلك اغتاظوا قائلين لماذا هذا الاتلاف." ( متى 26/8 ) بينما لوقا (7/37-39 ) يحكي قصة مشابهة وينسب التضمر الي أحد الفريسيين (1)
أما يوحنا، ففي إنجيله وهو يقص نفس القصة يخبرنا ان لم يكن هنا قوما اغتاظوا من اسراف السيدة التي سكبت العطر على رأس يسوع، وإنما هو شخص واحد وهو يهوذا الخائن، وهذه معلومة جديدة يقدمها يوحنا عن يهوذا، وهذه المعلومة اليوحانوية قد تفيد بان يهوذا شخصية شبه أسطورية، فمناقضة يوحنا للأناجيل الثلاثة لا تختصر على إبدال الاسم مكان اسم آخر فقط، وإنما وضع شخصية يهوذا مكان مجموعة من الشخصيات (2)، أنظر تعليق الأب متي المسكين في الهامس حول هذا التضارب
يخبرنا إنجيل متى 26/48 ان يهوذا أعطى علامة للجند " قائلا الذي اقبّله هو هو.امسكوه" لكن الدولة لم تكن بحاجة إلى المساعدة في التعرف على يسوع، فقد كان أشهر من العلم، ومعجزاته كانت قد بلغت جميع اليهودية بل وخارج اليهودية، لذلك، لم يتقدم أحد إلي يهوذا ويطلب منه المساعدة في القبض على يسوع، فما كان ذلك يستشكل علي الرومان، بكل ما تملك من قوة، لذا تخبرنا الأناجيل أن يهوذا تقدم بنفسه وعرض المساعدة في القبض على يسوع، فما هي دوافعه؟ أي لماذا خان معلمه؟ الذي عرف بالرأفة والحنان، ما هو المقابل الذي من أجله ضحى يهوذا بالحياة الأبدية، بعد ان عرف الحق وتذوق حلاوة الإيمان،
الإجابة التي تقدمها الأناجيل هي ثلاثون من الفضة، فهل ثلاثون من الفضة كافية لإغراء يهوذا؟ (3)
ربما .. ولكن كان ليهوذا وسيلة أخرى للحصول علي أكثر من ذلك، فقد كان أمين الصندوق، وكان بإمكانه أن يختلس منه ما شاء، فيكون له دخل غير منقطع، وكان يمكنه أن يهرب بالصندوق إن شاء
وتضيف الأناجيل ان الشيطان وسوس ليهوذا. وهنا إشكالية أخرى، فالصلب والفداء كانت مشيئة إلهية وفقا لإيمان المسيحي، وهي مشيئة مناقضة لرغبة الشيطان، فلا يتصور انه يرغب في خلاص البشرية، لذلك وبخ يسوع بطرس كبير التلاميذ عندما استاء من فكرة موت يسوع فقال له يسوع : اذهب عني يا شيطان.انت معثرة لي لانك لا تهتم بما لله لكن بما للناس . (متى 16/23 )
إنجيل يوحنا يثير مشكلة أخرى في إضافاته، فبينما تذكر الأناجيل الأخرى ان الشيطان أثار يهوذا ضد يسوع، يخبرنا يوحنا ان يسوع أدخل الشيطان إلي يهوذا " اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الاسخريوطي. فبعد اللقمة دخله الشيطان.فقال له يسوع ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة" ( 13/26 ) إذن رغبة يسوع هي التي دفعت يهوذا إلي تقديم العون إلي الجند،، وما كانوا أصلا بحاجة إليها
وكل ما فعله يهوذا هو أنه نفذ إرادة الثالوث في خلاص البشرية، ولهذا جاء يسوع حسب الأناجيل، كي يخصلص البشرية من خطية آدم بحسب خطة تمت بالمشورة الثالوثية، إضافة إلى ذلك، يسوع أعطى الضوء الأخضر ليهوذا، بل أمره أمرا إذ قال له : ما انت تعمله فاعمله باكثر سرعة ( يوحنا 13/27) يرى البعض ان أمر يسوع كان بمثابة نهي ولكن بطريقة غير مباشر، ويرى أخرون أنه سماح من يسوع - يقول القمص تادرس يعقوب ملطي في تفسير النص "
لم ينل نصيحة من الرب بل سماحًا ليتمم ما يريده. وكأنه يقول له: "أنت مصمم على الخيانة، لم تفتح بابًا للتوبة والرجوع إليّ. اذهب افعل ما تشاء، فأنا لا أخشى الموت بل مستعد له"." ولكن هذا الأسلوب في الخطاب بعيد كل البعد عن الخطاب الإلهي، إذ ان الخطاب الإلهي في الأمر والنهي يجب أن يكون واضحا، والواضح في قول يسوع أنه يأمر أحد أتباعه بتنفبذ أمر - ويؤكد الأب متى المسكنين في تفسير إنجيل متي 26 سعي يسوع لإتمام الخطة ويقول "
من كل هذه اللمحات ندرك كيف ضغط المسيح على السنهدرين أن ينفِّذ خطته في العيد. كما حدَّد المسيح لنفسه زمان ومكان صلبه. وبهذا يكشف المسيح عن سلطانه على الإنسان والزمان والمكان."
في القرون الأولي للمسيحية، ظهرت طائفة سميت بالقايينيين (Cainites ) تقدس يهوذا الاسخريوطي، وتنادي بتقديم الشكر له، وكانت ترى في خيانته سرا دينيا كأسرار الكنيسة، وتزعم انه نال أسرار المعرفة، يقول العلامة ترتليانوس في كتابه ضد كل الهرطقات (Against All Heresies ) أنهم كانوا يعتقدون ان قوة شر كانت ضد إتمام الصلب والفداء، ويهوذا الذي نال المعرفة خان سيده كي لا تفشل خطة الخلاص (5)
وذكر هذه الفرقة القديس إيريناؤس، وقال عنهم أنهم يقولون أن يهوذا كان مدركا ملما بهذه الأمور ( الأيونات ) وأنه كان الوحيد الذي نال معرفة لم ينلها أحد مثله، لذلك نفذ سر الخيانة، ويضيف إيريناوس أن القايينيين أصدروا إنجيلا يسمونه إنجيل يهوذا (6)
موت يهوذا
نهاية حياة يهوذا وردت متناقضة في العهد الجديد - جاء في أعمال الرسل ان يهوذا الاسخريوطي سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه (1/18 ) بينما ذكر جاء في إنجيل متى انه شنق نفسه
ويذكر بابياس أسقف هيرابوليس (Papias ) أحد أقدم آباء الكنيسة قصة غريبة عن موت يهوذا ويقول
صار يهوذا مثالا حزينا للمعصية إذ انتفخ جسده إلي حد أنه لا يستطيع أن يمر حيث يمكن أن تمر عربة بسهولة ، وسحقته عربة ، وتدفقت الأمعاء من خارج باطنه (4).
شخصية يهوذا في الأناجيل تظهر عناصر الأسطورة، وقد تكون شخصية حقيقيةـ ولكن لا شك ان الكنيسة أضافت على المعلمومات المتوفرة عنه معلومات أخرى من وحي الخيال، وليست شخصية يهوذا متناقضة فقط، ولكن تثير إشكاليات في قضية الصلب والفداء
محمود أباشيخ
الهامش
(1) أنجيل لوقا " واذا امرأة في المدينة كانت خاطئة اذ علمت انه متكئ في بيت الفريسي جاءت بقارورة طيب ووقفت عند قدميه من ورائه باكية وابتدأت تبل قدميه بالدموع وكانت تمسحهما بشعر راسها وتقبل قدميه وتدهنهما بالطيب. فلما رأى الفريسي الذي دعاه ذلك تكلم في نفسه قائلا لو كان هذا نبيا لعلم من هذه المرأة التي تلمسه وما هي.انها خاطئة."
(2) تعليق الأب متى المسكين " لقد تضاربت الأقوال على مَنْ صاحب هذا النقد غير الصائب، فالقديس يوحنا قال إنه يهوذا وهذا كان يليق به لأنه كان حامل الصندوق ويلتقط كل ما يدخل فيه (يو 6:12). والقديس مرقس قال بعض التلاميذ متحشِّماً، وق. لوقا قال أحد الفريسيِّين حتى يزيح هذه السبَّة عن جبين التلاميذ. وهنا ق. متى يلقيها على التلاميذ كلهم - لأن ق. مرقس زاد القول أن التلاميذ » كانوا يؤنِّبونها «- حتى تصيب الكنيسة فيوعِّيها عن الخطأ والعيب.. وهنا اغتاظ التلاميذ غيظاً بدعوى بيع الطيب وإعطائه للفقراء، لأنه في دهنه الجسد كان إتلافاً. وهكذا لم يقيِّموا المحبة في سخائها إذ حسبوها إتلافاً، ولم يفرِّقوا بين مسرَّة الفقير ومسرَّة النفس التي بلغ منها الحزن حتى الموت؟! لم يروا ولم يحسُّوا ولم يفهموا أن المسيح، ونفسه تواجه الخيانة من أحدهم، وكانت كالغصة في حلقه وأشد مرارة من علقم الصليب؛ كان في حاجة إلى بهجة هذا العطر الذي يهوِّن عنه ظلمة القبر القادمة،
أمَّا قولهم بالإتلاف والثمن الكثير والفقراء فكان ستاراً تواروا خلفه ليخفوا غيظهم. لقد استطاع القديس لوقا في إنجيله أن يرى في تصرُّف التلاميذ هذا عملاً عدائياً للمسيح فاستكثره على التلاميذ فنسبه إلى أحد الفريسيين!! فكان هذا أفضل تعليق على الوضع بأكمله دون أن يجرح التلاميذ وهو بذاته أشد من الجرح!!
(3) " وقال ماذا تريدون أن تعطوني وانأ أسلمه إليكم.فجعلوا له ثلاثين من الفضة" متي26/15
4) Roberts, A., Donaldson, J., & Coxe, A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I Page 153
(5) Ante-Nicene Fathers Vol. III . Latin Christianity: Its Founder, Tertullian.Page 650
(6) The Ante-Nicene Fathers Vol.I The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus..Page 358
الرجوع الى - الباترولوجي - آباء الكنيسة